الغزالي
56
إحياء علوم الدين
حتى تركها كلها ، وكان يقول : لا يتهيأ للمرء أن يخبر بكل عذر له . وقيل لعمر ابن عبد العزيز : لو تفرغت لنا ؟ فقال ذهب الفراغ ، فلا فراغ إلا عند الله تعالى . وقال الفضيل إني لأجد للرجل عندي يدا إذا لقيني أن لا يسلم علىّ وإذا مرضت أن لا يعودني . وقال أبو سليمان الداراني : بينما الربيع بن خثيم جالس على باب داره ، إذ جاءه حجر فصك جبهته فشجه ، فجعل يمسح الدم ويقول : لقد وعظت يا ربيع . فقام ودخل داره . فما جلس بعد ذلك على باب داره حتى أخرجت جنازته وكان سعد بن أبي وقاص ، وسعيد بن زيد لزما بيوتهما بالعقيق ، فلم يكونا يأتيان المدينة لجمعة ولا غيرها ، حتى ماتا بالعقيق . وقال يوسف بن أسباط : سمعت سفيان الثوري يقول : والله الذي لا إله إلا هو ، لقد حلث العزلة . وقال بشر بن عبد الله : أقل من معرفة الناس فإنك لا تدري ما يكون يوم القيامة فإن تكن فضيحة كان من يعرفك قليلا . ودخل بعض الأمراء على حاتم الأصم ، فقال له ألك حاجة ؟ قال نعم . قال ما هي ؟ قال أن لا تراني ولا أراك ولا تعرفني . وقال رجل لسهل . أريد أن أصحبك ، فقال إذا مات أحدنا فمن يصحب الآخر ؟ قال الله ، قال فليصحبه الآن . وقيل للفضيل : إن عليا ابنك يقول ، لوددت أنى في مكان أرى الناس ولا يروني . فبكى الفضيل وقال : يا ويح علي ، أفلا أتمها فقال لا أراهم ولا يروني وقال الفضيل أيضا : من سخافة عقل الرجل كثرة معارفه . وقال ابن عباس رضي الله عنهما أفضل المجالس مجلس في قعر بيتك لا ترى ولا ترى . فهذه أقاويل المائلين إلى العزلة ذكر حجج المائلين إلى المخالطة ووجه ضعفها احتج هؤلاء بقوله تعالى * ( ولا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا واخْتَلَفُوا ) * « 1 » الآية وبقوله تعالى * ( فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ ) * « 2 » امتن على الناس بالسبب المؤلف . وهذا ضعيف ، لأن المراد به تفرق الآراء ، واختلاف المذاهب في معاني كتاب الله ، وأصول الشريعة . والمراد بالألفة نزع الغوائل من الصدور ، وهي الأسباب المثيرة للفتن ، المحركة للخصومات . والعزلة لا تنافي ذلك
--> « 1 » آل عمران : 105 « 2 » آل عمران : 103